ابن عبد البر

108

الدرر في اختصار المغازي والسير

فلما قرأ الكتاب قال سمعا وطاعة . ثم أخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكره أحدا منهم وأنه ناهض لوجهه [ مع ] من طاوعه وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده ، فمن أحبّ الشهادة فلينهض ومن كره الموت فليرجع . فقالوا : كلنا نرغب فيما ترغب ، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ونهض ونهضوا معه ، فسلك على الحجاز . وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة ابن غزوان جمل كانا يعتقبانه « 1 » ، فتخلّفا في طلبه . ونفذ عبد اللّه بن جحش مع سائرهم لوجهه ، حتى نزل بنخلة . فمرّت بهم عير لقريش تحمل زبيبا « 2 » / وتجارة فيها عمرو [ بن ] الحضرمي - واسم الحضرمي عبد اللّه بن عباد من الصّدف والصدف بطن من حضرموت - وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان مولى بنى المغيرة . فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، فإن نحن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام ، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم . ثم اتفقوا على لقائهم . فرمى واقد بن عبد اللّه التميمي عمرو بن الحضرمي [ بسهم ] فقتله ، وأسروا عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل بن عبد اللّه . ثم قدموا بالعير والأسيرين . وقال لهم عبد اللّه ابن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففعلوا . فكان أول خمس « 3 » في الإسلام ، ثم نزل القرآن : ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) . فأقرّ اللّه ورسوله فعل عبد اللّه بن جحش في ذلك ، ورضيه وسنّه للأمة إلى يوم القيامة . وهي أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول أسيرين ، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل . وأنكر رسول اللّه قتل عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ )

--> ( 1 ) يعتقبان البعير : يتناوبان ركوبه . ( 2 ) في بعض الروايات : تحمل زبيبا وأدما وتجارة . ( 3 ) ويقال : بل وقف الرسول غنائم هذه السرية أو هذا البعث حتى رجع من بدر ، فقسمها مع غنائم بدر ، وأعطى كل قوم حقهم .